الاثنين، 20 أكتوبر 2014

الأمل المفقود



  دقت الساعة الخامسة صباحا ...أنغام المذياع تملأ المكان..وهو منشغل بإعداد قهوته الصباحية ليفتتح بها نهاره الطويل ... تناول فطوره بهدوء و اتجه صوب المذياع ليطفئه حتى يستريح من سهر الليل – كأنه يتناوب معه في العمل- قبل أن يضغط زر المذياع انبعث منه صوت شجي إنها فيروز تغني أجمل أغانيها:


أهواك بلا أمل و عيونك تبسم لي
و ورودك تغريني بشهيات القبل
أهواك و لي قلب بغرامك يلتهب
تدنيه فيقترب تقصيه فيغترب
                                        .................................
تسمر في مكانة لدقائق مركّزا عينيه الجاحظتين إلى كوة جانب الباب.... على إيقاع أنغام فيروز غادر غرفته التي مازالت مظلمة، فهي لا ترى النور إلا في منتصف النهار.... فتح بابه الحديدي الذي أحدث أزيزا قويا، ومنه دلف إلى الباب الكبير، لأنه يعيش في غرفة مع جيران كلهم رجال يحترفون مهنا موسمية .... كعادته يختصر الطريق المؤدي إلى الشارع الكبير عبر زقاق ضيق، حيث يجلس بائع السجائر بالتقسيط ... يجلس القرفصاء و يشعل سيجارته الأولى؛  ينتشي و يتمنى لو تعمر طويلا ... توقفت الحافلة، أخذ مقعده المعتاد ينظر من النافذة لا شيء في الشارع إلا عمال مثله و كلاب انهارت قواها من نباح الليل.. خطر بباله يوم غادر المدرسة لأن المعلم أشبعه ضربا وركلا وأخد يسب في قرارة نفسه: لولا ذلك الملعون لأتممت دراستي .. فلاشات كثيرة زارت مخيلته .. يتنهد بين الفينة  والأخرى ومازال يشتم: الكل ضدي الحكومة.. الوطن.. العالم كله.. نعم الأرض. وصوت قوي يوقظه من حلمه: أيها السائق من فضلك توقف. نهض من مقعده. فوجد أن عليه أن يعود أمتارا ليصل إلى المكان الذي ينزل فيه عادة. بدأ ثانية يسب نفسه و الحافلة و السائق ...و العمل، كل شيء لم يسلم من لسانه .. عاد بخطوات كسلى حتى وصل إلى الزقاق المؤدي إلى حمام الحاجة حيث يعمل ابن عمه، وهو نفسه الذي يوصله إلى ورشة الزليج، كان أول من وصل إلى العمل فتح الباب الكبير بقوة غير ملابسه وأخذ يحضر الألوان دخل عليه مصطفى و أخوه... بدأوا العمل في صمت أشبه بالعنف.. يتمتم مع نفسه كلما قفز للضغط على مدوس الآلة، تكرر ذلك مرات و مرات... سأله مصطفى : ماذا تقول؟.
أجابه و الابتسامة تعلو شفتيه إنني أحس بالضراط  كلّما ضغطت المدوس ثم علا صوته و قال: هذا العمل القذر سيجعلني عِذْيَوْطا في القادم من الأيام لابد أن أبحث عن عمل آخر لن أبقى مع ذاك المتقعوس منذ اليوم، عليه أن يدفع لي أجرة العشرة أيام الماضية وبعدها إلى الجحيم.
    اقتربت الشمس من الغروب .. جهز حاله لمغادرة العمل ... صاحبه كل من مصطفى و أخوه ودّعهما و استقل الحافلة عائدا إلى غرفته ... وصل الحي الذي يقطنه سقطت عيناه على سميرة، شابة في مقتبل العمر ... شقراء .. حسناء..هيفاء، تبادلا ابتسامات غريبة بين صدق وشك ..... بين خوف ورجاء، طأطأ رأسه و أكمل طريقه إلى غرفته المظلمة التي تفوح منها رائحة العفونة مع كل مساء، استلقى فوق سريره الخشبي يعيد الزمن إلى الوراء دقائق و ثوان استوقفته ابتسامة سميرة طويلا غارقا في تفاصيل ووجهها، محاولا أن يعرف لماذا منعها ((سي العربي)) من الخروج منذ ماتت أمّها، لا شيء يفسر ما قام به أبوها غير كونه مؤذنا أو مرشدا أو مفتيا كما يسميه الجميع، لا فائدة في كل هذا حاول أن ينسى الأمر ويتناساه لكن بلا جدوى ..فكّر كثيرا، وقرر أخيرا أن يشتغل مع المتقعوس.
  في الصباح استيقظ قبل أن يرن المنبه .. ونشوة تسري في جسده حاول أن يعيد  شريط التقائه بسميرة ويرسم تفاصيل وجهها في مخيلته لكنه لا يستطيع مرت كل اللحظات كنظرة مسروقة تحت ومضة البرق في ليلة ظلماء. كل شيء يمر في ذهنه سريعا، فاق من حلمه وتوجه الى المغسل المشترك مع الجيران تغيرت حركاته وسكناته حتى تغير جلوسه عند بائع السجائر وركوبه الاطوبيس ..... عاشت معه هذه النشوة أياما وتزداد كلما استرق نظرة من سميرة ... بعد عودته من عمله ذات مساء غسل ثيابه واستحم وافرغ عليه ما تبقى من العطر في القنينة التي اهداها إياه ابن جيرانهم المقيم بالخارج منذ سنة مضت، خرج لقضاء بعض الوقت مع رفاقه في المقهى او على مقعد من مقاعد الحديقة الوحيدة بالمدينة التي يقصدها الاطفال و النساء و المراهقين و الباحثين عن اللذة.
  في الحديقة تراءت له سميرة من بعيد بفستانها الفستقي الجميل تخيلها للوهلة الأولى قطعة شكلاطة شهية، اقترب منها شيئا فشيئا ولكنها اختفت بين الناس وقف في مكانه يندب  حظه معتقدا في نفسه أنها رحلت الى المجهول الى اللاعودة ضائعة منه كما ضاعت باقي احلامه. عادت به مخيلته الى أيام طفولته، إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي تبع فيه جنازة أخيه الاصغر الذي راح ولم يعد وبقي على هذه الحال حتى ربتت يد غليظة قاسية وصوت خشن مختلط بأنفاس معطرة برائحة  السيجارة الردئة... إنه مصطفى صاحبه إلى غرفته ... قضى معه الليلة ثم خرج إلى عمله وبقي عبد الله ممددا على سريره ... سمع صراخا وعويلا .. خرج ليستفسر عما حدث أخبره جاره الحوّات بحسرة: سميرة ابنة سي العربي لم ترجع ليلة البارحة إلى المنزل .. وقف مندهشا مما سمع وشارك في قوافل الباحثين عنها ... قصد المستشفى الكبير في المدينة ... عاد الجميع عند الظهيرة ولا خبر يثلج الصدر، عادوا و الأسى يملأ الوجوه.. دخل غرفته حزينا .. عاد إلى حالته القديمة السب والشتم .. خرج إلى حيث رآها للمرة الأخيرة وقف يمدد في عنقه يلتفت يمينا وشمالا ..بلا جديد ...قرر عبد الله أن لا يعود .. فغادر المدينة باحثا عن أمل جديد....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق