الجمعة، 27 فبراير 2015

~القشة الأخيرة~|| شعر|| بقلم الشاعرة المبدعة: فاطمة الزهراء التلوين


القشة الأخيرة لم تقصم ظهر البعير 
وهذا السراب الطويل المدي
شرد القافلة
ظهر البعير كانت اصلب 
الحادي فقط كان ضرير
وهذا المرسوم زائف
وكل الخطابات 
و قافلتي يحاصرها مضمون الظهير
الوطن صحراء
عصافير تئن
تشريد ومعتقل
وأبواب الزنازن
تكسر سكون الليل 
زمجرة وصرير
كثرة القطعان تسير
يوجهها مزاج أهبل لسلاطين ساجدة لقبلة غربية
وبترول شرقي...يرفع ثمن الرغيف 
والشعر في وطني
لا زال مغرم بهجاء بين فرزدق
وجرير
في وطني شيوخ مقعدة
ورفاق في منتصف العمر
لا دخل ولا سقف
والعمر يسير
أمي تجمع في صرة صغيرة 
ثمن سجائري اليومية
من قروش تبيع الخبز
 
على رصيف مرير
كابوس يومي متكرر
يطويه ليلا
بؤس السرير
لا شيء جديد في نشرة الاخبار
 
ولا جريدة الصباح
 
تحمل بشائر
 
وهذا الحلم في وطني
 
مخاضه عسير
 
لاجديد يلوح في افق الشمس
هذا خطاب موسمي يعد بخير وفير
 
اضحك ملأ فيك قهرا
وانتظر
يتناوب الجرار في الدوس على سنابل القمح القليل
لحقل فقير
ومصباح منطفئ مظلم
يكتب منشورا
صبرا جميلا ورب كبير
وبنوك سويسرا
 
تكتظ بخيرات التراب المهرب
وعرق الشقاء يسقي الوادي
 
ليصب هناك
 
عاليا
في صناديق اللصوص
 
اصبر
 
فسوف تتصددر المناشير الكاذبة
انتظر
نخن آلهة الأرض
لنا الولاء
 
ولك أنت دائما
رب كبير
 

الأربعاء، 18 فبراير 2015

~ لن أستقبل الربيع~ || بقلم المبدع: مروان قواس، سوريا- حلب



ان جاءني الربيع لن أستقبله .من عتبة البيت سأطرده .وأقفل في وجهه الطرقات .وأضع في طريقه الجزوع اليابسة من أشجار الغابات .
ان أتاني الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد ان يتكلما .
لن اكلمه ... سألعنه..وألعن اختياله وحسنه وضحكه ..... أيضحك ويستهزؤ بمأساة شعب .
في قديم الزمان عندما تهل بشائر الربيع .كنت في الصباح اودع منزلا في قرية من قرى جبل الزاوية.منزلا سلم باعجوبة ما أكوام ثلج الشتاء.وهبوب الرياح .وطبقات الصقيع.اخرج منه كل يوم من الصباح حتى المساء . لا حاجة لي الى طعام .في الطبيعة وبين قمم الجبال وتعرجات الصخور كل ما يلزم .الطبيعة معطاءة .ان جعت اكلت نبات الحصرنين .وتحليت بزهر الخزام . وأمضغ نباتات عطرية . وأشرب من قلود الصخر .واعود مساء .ولا يلزمني الا ان انام ...... جبل الزاوية هو أكثر جبال الارض غنى بالنباتات البرية والعطرية .......
في تجوالي بين الصخور كم زكرني أبي :من هنا مر ابراهيم هنانو .وهنا استبسل نجيب عويد . وفي هذا الوادي أبلى مصطفى الحاج حسين .. وفي هذا السفح كانت مجزرة للجنود الفرنسيين .....
ومن قمة امزابور أشار ابراهيم هنانو الى الشيخ صالح العلي الرابض على قمة النبي يونس فتعالا وتطاول البطلان وتعانقا فظللا سهل الغاب بظلهما المهيب .
في جبل الزاوية كان يحلو الربيع . اما اليوم فقد تجمدت أطرافي من شدة الصقيع .
لن استقبل الربيع . فالبيت بأهله . والربيع بفلاحيه .
عندما تهل تباشيره .كان اهلي من فلاحيه ينتشرون في هضابه والسفوح .يملؤون الفراغات بين الصخور .زرعا وكدا وعرقا .استطاعوا ان ينطقوا الصخور أشجارا . وقبله كان محالا ان تنطق الصخور .
ومن سيستقبل الربيع ...والفلاحون بين طريد وشريد . وعيونهم على حقولهم وأشجارهم من بعيد .وأكثر من بعيد .
وكأني بأشجار الكرز والزيتون تناديهم .تناشدهم . عودوا . ان تدمرت البيوت . ابنوا من جذوعنا وأغصاننا لأطفالكم بيوت . تدفؤوا بما في ثمر الزيتون من عطر وزيوت . ولتتزين الفاضلات من النساء بثمار الكرز وحبات التوت ..أعيدوا النسغ لوطن اقسم أن لا يموت .
وكأني بصوت مجلجل .. يقتحم الموت والسكون . يصدح من وراء الحدود .....
اننا سنعود ... فقد تكسرت انياب الحوت .
سنسكن ارضنا ..حرام ان يسكن ارض الشام الطاغوت .
سنحيي وطنا تدمر .... سنبني بيوتنا . وكل ما في الوطن من بيوت ...
حلب. الاثنين 16/2/

السبت، 14 فبراير 2015

~ نار ~ || بقلم المبدعة الشابة: مها عواودة


انها النار ذاتها التي اشتعلت منذ الأزل 
ولم تكن يوماً لا برداً ولا سلاماً ولا أي هراء اخر ليس من خصائص مكوناتها
إنها النار ذات النار التي كانوا يلقمونها نساءً رأوا ما لم يكن عليهن أن يروه 
وبلاداً مرت من صدفة الحروب
كلعنة باذخة اللون والدم والعدم
إنها النار ذاتها التي أحرقت يد امي ذات سر
والتي سيحرقني الله بها إن لم أكف عن لبس فساتيني القصيرة البلا كم

لم أشاهد الشريط لم أجرء
لكني غرست اعقاب السيجارة في كفي حتى انطفأ الليل وصوتي الصارخ من الوجع
هنالك داعشي صغير نبت البارحة في صدري
ذلك الرجل الذي بيتسم في الصورة الاولى
ذلك الرجل اريد حرقة
أنا التي اتحايل على النمل بالحلوى
لاخراجة من البيت
اريد الان حرق ذلك الرجل
الان

الجمعة، 13 فبراير 2015

حدثنا شيخنا || بقلم المبدعة: بهيجة بنار



حدثنا شيخنا الملقب ب(مولاي علي..)أنه كان رفقة صديق مقرب له وهو فقيه
وإمام لأحد المساجد بمراكش، كان هذا الأخير في نشوة بالغة من السرور، يتبادلان ويتجاذبان الحديث حول الجمال العربي ومميزاته عند المرأة العربية ونظيرتها الأجنبية ، فما اجتمعا في مجلس إلا وذكر له مفاتن زوجته المستقبلية وتغنّى بجمالها وقدها ومشيتها وعطرها الذي يستبق خطواتها،هذا وأستاذنا الجليل يردف قوله  وهو مسئول عنه ليوم الدين:إن صديقي مغرم بالمرأة الآسيوية وخصوصا الهندية فإن لم يستطع فالشامية فإن لم يستطع فاللبنانية أما المغربية فلا مقام له عنده ,سأله أحد الطلبة ولما المغربية؟،أجابه أن  صديقه المتعبد والذي غلبت عبادته علمه، يعشق القد الجميل والوجه المستدير وعيون المها والخصر النحيل والجيد الطويل والشعر الأسود القاتم كالليل والنهدين البارزين كأعناب النخيل وهذا كله لا يتوفر عند المرأة المغربية..أخذ شيخنا يضحك  ومن كلام رفيقه يهزأ،فالشعر الأبيض لم يؤثر في أحلامه الوردية ولا في نزواته الليلية إذ زعم أنه بعد كل تجربة رومانسية يكثر من الاستغفار وتلاوة محكم التنزيل وضبط قواعد التجويد .
  والقاعدة الأساسية التي نقلها رفيق شيخنا أنها واجبة في نشأة الخلق والتكوين من باب الدعابة لا الجزم,تخص الخاصة لا العامة من بقية العبيد الذين ينحدرون من أصول أفريقية متناسيا أن بين الأمس واليوم صار الاختلاط مذكورا بين الجنسيات ، فاختلطت الأعراق, بين أبيض وأسود وأحمر و أصفر,وإذا بالبقية تلحّ على شيخنا عن سر افتتان الفقيه بالآسيوية ,فيجيب:إنه يقول:إن الهندية أو الشامية أو اللبنانية عندما تُخلق يسأل المَلَك المكلف بالتكوين,من أي تربة هذه؟

من أرض الهند,.ضع لها عينين عسليتين وفم صغير كالقمقم وقد مليح...وإذا تعلق الأمر بالمغربية فيجيب:ضع لها ثقبين تنظر منهما...فكان أستاذنا يقهقه حتى شهق شهقة أخيرة دق لها جرس الخروج.

الأربعاء، 11 فبراير 2015

~خربشات على هامش عيد الحب~ || بقلم الروائية والشاعرة: نورا مرعي، لبنان



على نوافذ الصّدفة التقيتُ بك، وعلى ذراع الأحلام غفوت، ملء جفوني قبّلت حبيبات النّور في زمنٍ ما زال ينبض حبًّا، لأصطاد نجوم المساء التي تنثر بضوئها في أزقّة الحياة. أفرغت هذا المساء جعبة آلامي، وكفكفت أدمعي وآهاتي، وسرت من مزق التّجارب، لا أعاني، بل أترنح بثقة بين كفّيكَ، وأعبق من طيب أنفاسك برائحة النّدى تبلّل أحرفي وتغرقني بكلماتٍ لها ألطف المعاني، وأرقّ قطوف اللّوز... 
لقد يبس الحزن بين أوراقي، وجعلتني أعقد هدنة معه بعدما كلّمني منذ المهد، وصعّد بآفاقه ولكماته كلّما اقتربت من فرحتي، لكن اليوم أشمّ رائحة القمر المنثور ضياء، والشّهد المصفّى، وها أنا أحنّ إلى المساء كي أضرب موعدًا جديدًا مع الحلم الدّافئ، وأستأجر بالخيال خرافة حقيقية أراقصها في عهد الجنّيات، وألتقي بأميري يشعل قنديلي بزيت أحلامه، ويسكب في فنجاني كلمة أهواكِ... فأكون له، ويكونَ لي... ويكون الحلم ثالثنا...
عندها، لا أريد أن يناديني أحد باسمي، فهو من يستحقّ أن يناديني، لا أريد في عيون الشّمس أن أرى سوى وجهه، لا أريد سوى أن أصحو من لهاث الحبّ وأنا أرتشف منّه نبضه لا نبضي، وأحلم بأني عصفورة أقبّل وسادة المساء حتى يدلف النّور إلى شقوق ظلمته، فيلغيها مغرّدًا معي لحن الزّمن الجميل، وينام مبهور الكيان، معقود اللّسان، مشدوه الفكر، مجنون القول... وأبقى ساهرة أكتب في زحمة الأفكار ما لم أكتبه يومًا، وأعود بوجه آخر مكحّلة العين بنظرته لا بسواد الكحل اللّئيم.
إليكَ في هذا المساء قصيدة تحرّرت من بيوض الذّاكرة، لم تتدثّر بصوف الآلام، لم تغتلْني بصدى الموت، بل حلّقت معي في هذيان المساء صوب أراجيح السّحاب المتقطّر شوقًا وحنانًا وغرامًا... 
لك يا رجل المساء، لك يا رجل المباغتات، لك يا كلّ كياني، أطلق عصفورَي الحبّ كي يكتبا بدلاً مني قصيدة عيد الحبّ لهذا العام، خارج أقفاص المنطق والقوافي الخرافية الّتي نامت على كتف القمر، وفرشَتْ سمائي بسعادة فريدة... ما عاد الزّمان زماني، لقد صرت خارج نطاق الزّمن، صرتُ لغة تعزف للحمام لحنها، صرتُ أداة استثنائية تنتظر جملة مميّزة بحروف اسمك تسطع، وبنبض قلبك تنشد... صرت عيون النّجوم ولغة الأقمار وبيادر انعتقت من عبودية المكان، صرت أنا.... أنطق بكلام لا يشبه لغتي، يشبهكَ، فاتركني ههناكَ أكتب....واترك النّاي يعزف بعيدًا عن الزّمن الرّديء...
ما عدت أقوى على مباغتاتك الغريبة، ما عدت أقوى على الحنين يقطّع أوردة شوقي، ما عدت أتذكّر اسمي، فهل تذكّرني به خلف رائحة المساء؟

وانطلقت أعدو ..|| قصة قصيرة|| بقلم المبدعة: بهيجة بنار



كان الجو صيفا،أجبرتني أمي على المكوث في البيت هروبا من قيظ النهار وقت الظهيرة. هي تعرف أني أحب دراجتي الخشبيّة إذ لا يحلو لي اللعب بها إلا وسط زقاقنا وإغاظة المشاغبين من هم أكبر مني سنا.زقاقنا ضيق يكاد يتسع لمرور اثنان،في جنباته أص
ُص بها ورود جميلة وصبار متنوعة أشكاله.،مختلفة أحجامه، ودالية قطوفها من عنب،كنا نتحلّق حولها ونهزّ أعوادها اليابسة بقوة لتجود علينا بحبات عنب تتناثر هنا وهناك،نتناولها بنهم لينزل في حلوقنا ويطفئ عطشنا.في الصباح كعادتي،التهمت خبزي المحمص بالزبدة وانطلقت أجر دراجتي وعُباب كثيف من الغبار يعلو المكان،أحاط بي فريق من الأولاد أكبرهم سنا "عمر"ذو بطن منتفخة وبيده حلويات وسكاكر يسيل ماؤها من بين أصابعه منسكبا على ثيابه الواسعة محاولا بذلك إخافتي،تظاهرت بالبكاء لألم في بطني،رحت أترنّح يمنة ويسرة بمحاذاة أصيص الصبار لأقتلع شوكة كبيرة 
وأغرسها في أصبع رجله..صاح المسكين:آآآآآآآه....مااااااما.عدوت مسرعة نحو بيتنا لأجد أمي تستقبلني وقد تغيرت قسمات وجهها وجارتنا واقفة تتلو
 عبارات اللوم على ما فعلته لابنها المدلل،انتزعت أمي دراجتي الخشبية من بين يديَ وخبأتها في القبو. 

ما عدت أجرها خارج بيتنا،مسكتُ شاحنة أخي وتسمرتُ في مكاني:عن..عن..عن ،عن، عن.....

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

~ أهواه ~ || شعر|| بقلم الشاعرة: هدى محمد يحيى شاويش، سوريا


أهواه 
وإليهِ يعرج قلبي
والنّفس إليهِ تُسرى
هذا الإسراء وهذا المعراج هنا
من آياتِ الحُبّ الكُبرى
إن كان يحبّ امرأة أُخرى
فأنا سأكون الأُخرى

الاثنين، 9 فبراير 2015

~ انتظار ~ || شعر||، بقلم الشاعرة: أمينة الزعري، اڤنيون؛ فرنسا


وعلى مثن التأمل..
نستهلك المسافة بنكهة
التفاصيل البعيدة
والوحدة التي تغزو جنبات العبور
نستهلك
القدر الذي رسمناه على
الأشجار والجرائد الباهتة
وتاريخنا الذي صنع على غفلة منا
مبصوما بخاتم السماء
نستهلك
أحلامنا المكررة
والموتَ المهدى لنا
في كؤوس الخمر العتيقة
نستهلك
كرامتنا
وقمحنا
وننتظر..
نتظر الليل الذي يقاوم النوم
حتى تونع الشموع بين الأحجار
وتسقط ريشة حمام

ربما سهوا

ثقافتي بيك فخورة، زجل بقلم الشاعرة والزجالة: بشرائيل الشاوي



ثقافتي بيك فخورة،
حيت بلادي
 
في قلبي محفورة.
حنا ولاد و بنات المغرب
بينا يتألق.
 
انا، انت و انتي
على حبه ما نتفرق.
يا هذا يا هادي 
هذه هي بلادي
 
الجبال، الوديان
 
و الصحرا
لصلة الرحيم
مازلت تنادي.
من القصر الكبير
ارض الخير و الخمير
ارضي و ارض أجدادي
 
نبعثلكم رسالة
بالحب
وخا العين
 
بدموع سيالة
و التهميش فيها بادي.
 
في التاريخ ديما حاضرة
صامدة فوجه الاعادي.
ثقافتي بيك فخورة،
فبلاد الناس راكي مشهورة.
طبخ، صناعة تقليدية
نخليها لأولادي.
رياضة، فن، كتابة
و الشعر للسلم بيه انادي.
بلادي يا بلادي 
يا ارض جدودي
 
و اكبادي
للعالي نهزوك الفوق
بالروح و بالأيادي.
ثقافتي بيك فخورة
مغربية حرة
ضاربة في عمق الجذور
خالدة، صيتها قاطع البحور
مثال للجمال و الجود
تبقى لهذاك و لهادي

الخميس، 5 فبراير 2015

بلية الحروف، بقلم الزجال: عبد الغفور افراريج



جيت نزمم
حروف
ايامي
تهرس راس
القلم
بيها تبليت
ماشي غبرة
و لا تنفيحة
الكلب و لا
يشم..
حروفي
من حروف الناس
واش هاذي
بلية ولا
الحكمة تم
حتى ضقاتو
و لات مهيلة
و غواتو
تزم..
ما عاد يكفيه
شحال فيه
من هم..
زاد سهير الليالي
و شريب..
السم..
____
عبد الغفور افراريج

الأربعاء، 4 فبراير 2015

بصيص أمل بقلم: لحسن شكري، المغرب



استلقى على بطنه يضاجع ما تبقى من دفء رمال الشاطئ، ويترقب في شوق غروب الشمس. لينعم بلحظة غروب تأخذه في نشوة عميقة إلى هدوء الليل، بينما هو على هذه الحال تسللت إلى أعماقه أفكار كثيرة ترتب في تصارع الذات مع الزمان والمكان برنامجه الليلي الصاخب .. أحس بخطوات خفيفة ودبيب لطيف، هزّ رأسه في تثاقل السكران لمح غير بعيد عنه أوروبية شقراء، طويلة القامة.. ممشوقة الجسد.. ترتدي لباسا رياضيا ضيقا وقبعة بيضاء اللون، وكلبها المذلل يلهث وراءها. جمع رحتيْ يديه ضاما وجهه بينهما غارسا مرفقيه في الرمال الدافئة، يتابع الخطوات بدقة حتى كاد لا يطبق له جفن، لكنها مرت سريعا كالبرق.
دخل في حالة شرود طويلة مستفهما تارة ومتعجبا أخرى. استجمع قواه قاصدا محطة الحافلة التي يستقلها عادة إلى وسط المدينة. أطفال يصرخون هنا وهناك.. وحشود من الحفاة العراة يهرولون لعلهم ينعمون بمقعد يمنحهم في سخاء غفوة واستراحة لعضلات انهكتها رمال الشاطئ وامواج البحر... استقل الحافلة جلست إلى جانبه امرأة عجوز شمطاء، ما إن تحركت الحافلة حتى بدأت تتفوه، وفي المقعد المقابل له شابة بنظارات شمسية وتنورة بيضاء، أسند ركبتيه إلى ركبتيها العاريتين في خجل أشبه بالحياء، تبتعد ويقترب. التوى عنق العجوز لتضع رأسها على كتفه الأيمن التفت إليها في حنان وبادل الشابة ابتسامة خفيفة مطبقا شفتيه خوفا من أن تظهر أسنانه السوداء المتآكلة وتنبعث من جوفه رائحة السمك المشوي الكريهة، أحس أنه عليه أن يذيب جليد الصمت بينهما، افتتحها: إنها تشبه جدتي .. ابتسمت واسترسل في كلامه .... رغم أنني لم أتذكر ملامحها، حملته اللحظة إلى بيتهم التابوتي بالقرية، إلى القبة كما يحلو لأبيه أن يسميها، حيث الصورة الوحيدة لجدته، معلقة إلى أقصى يمين الزاوية المقابلة للنافذة الوحيدة، تعمدت أخته الكبرى أن تعلقها هناك لينعكس الضوء على عيني الجدة البراقتين في تحد لقساوة القرية وظروفها، سرى موج من الحنين في داخله تنهد ثلاثا .. قطع صوتها الرخو تنهداته: ما بك أخي؟. رد عليها: تذكرت جدتي توفيت بعد وفاة أخي بأسبوعين، كانت امرأة قوية يشع الغضب من عينيها بحجم الحب والحنان الكامنين في قلبها، تحبني كما باقي اخوتي،...، وُلد على يديها أطفال القرية جلهم. ثم صمت قليلا معبرا عن حنينه، بادرته الشابة مكسرة هذا الصمت الموجع: يبدو أنك اشتقت إلى الدوار وأهله.
قاطعها بسرعة: ليس الأمر كذلك، فكثيرا ما تأخذنا المواقف إلى الوراء حيث شخوص ولحظات لا تنس لأنها رسمت جزءا من حياتك بل من شخصيتك كذلك، جئت منذ أيام قليلة إلى هذه المدينة الموحشة. لكن يبدو أن أملي ليس هنا.
ردت عليه كأنها تشفق من حاله: أظنك تبحث عن عمل؟
-    نعم، ابحث عن عمل.
فتحت حقيبتها وأخرجت منها بطاقة الزيارة، منحته إياها. تسلمها مبتسما... شاكرا.
-    العفو أخي، اتصل بالرقم الموجود على هذه البطاقة بعد غد، لأنني ما زلت في عطلة.
فهم أن الأمر يتعلق بعمل وأن الرقم الذي منحته ربما يعود للشركة المشغلة لها. شكرها ووعدها بالاتصال. لم ينه كلامه حتى استأذنته لأنها ستنزل في المحطة القادمة، فسح لها الطريق ومخيلته مزدحمة بشريط من الذكريات؛ ربما ابتسم حظي وعُوضت عن ابنت "سي العربي" خيرا، وربما ذلك الأمل المفقود في الحي الشعبي ومع المتقعوس ركن إليّ وخضع لعزيمتي. عصفت به أفكاره في ضباب المستقبل حتى توقفت الحافلة في اخر محطة .. نزل ليبدأ من الحلقة الأخيرة لبرنامجه الليلي ... لعله يرى لبصيص أمله مخرجا للوجود.

شعر، بقلم الشاعرة: لينا تقلا


في هذا الظلام الظلام
أحتاج سطوة نجمة
كي لا يعثر حبيبي..
في هذا الزحام
أحتاج سطوة صحراء
كي أكلم الأبدية
بلا شهود..
في هذا الفراغ
أحتاج ضجيج أوركسترا
ﻷرتب صمتي
على شكل حركات..
وفي هذا العشق
لا أحتاج..
ألم أصدافا
وأفيض
 في جزر،

لا يرتادها سواي...

~ جنون الكتابة ~، بقلم المبدع: وائل محمد علي، السودان


أكتب بمزاج متعكر... مزاج مومس طلع عليها النهار، ولم تصطاد زبونا واحدا.. مزاج دب جائع، وجد نفسه في فخ مخبأ بعناية وسط الغابة.. مزاج طاغية، لم يبتكر له مستشاروه وسيلة تعذيب جديدة، ليجربها في خصومه في الأمسيات.. مزاج نيرون، وهو يشعل عود الثقاب، ليحرق روما...
أكتب بكل غضب العالم.. غضب الأطفال عندما يحرمهم الكبار من السهر أمام التلفاز.. غضب الأمهات من ملاك الموت الذي أقتنص أولادهن في الحروبات.. غضب الفقراء من الألهة.. غضب الخراف من الجزارين.. غضب الشجر من الفؤوس، والورود من السكاكين..

وحين تجد المومسات ما يأكلن، دون أن تأكل الذئاب لحومهن.. ويتقاسم الصيادون عشاءهم مع الدببة.. وحين يقاد الطغاة للمقصلة، ونيرون ورفاقه للمحرقة.. وحين يكبر الأطفال، ويصيروا أباء لا يمنعون أولادهم من فعل ما يحبون.. وحين تودع الامهات أولادهن لبيت زوجاتهم، بدلا عن خطوط التماس.. وحين ينظر الألهة بحب نحو الفقراء.. وحين لا تستخدم السكاكين إلا لجز العشب للخراف المسكينة.. وحين تستخدم الفأس لتحطيم الصخور، لتصبح تربة خصبة لزرع الشجر والورود.. سأجد نفسي ولدا مسالما، وعاطلا عن الغضب والكتابة.