سي عبد القادر فقيه القرية أمرد لم أرى قط فقيها
أمردا إﻻ هو.. قصير القامة ضخم الثديين .. كثير الكلام كأمثاله من الفقهاء الثرثرين..
كثرة كلامه توحي غالبا إلى كثرة كذبه.. يعرف كل شيء إﻻ ما أنزل الله في كتابه وما قاله
وقرره رسول الله في سنته .. يتحاشى الحديث في الدين .. خطب الجمعة يكررها حتى حفظها
المؤذن والعجزة الذين يزيلون سراويلهم قبل كل صلاة لإصابة أغلبهم بالسلس.. كانت لي
فرصة أن جالسته يوما عند البقال الوحيد في القرية .. كان يتحدث عن الأفلام المدبلجة
كأنه طامو أو ما شابه ذلك.. يتقن السرد و الأسماء يحن إلى بعض الشخوص و يسب بعضهم..
أنا لا أعرفهم كما القلة من الحاضرين .. بعضهم يردون عليه ويؤيدون شتمه.. لا تضحكوا
فالقادم أعظم.. فجأة قلب صندوق الكوكاكوﻻ الذي كان يجلس عليه على وجهه .. بدأ يحكي
نكثا رديئة.. الكل يضحك بقوة .. استمر على ذلك ما يقارب النصف الساعة.. لم تفصلنا عن
صلاة المغرب إﻻ دقائق معدودة.. ودعنا بابتسامة المنتصر.. متوجها إلى المسجد.. لحق به
قليل من مجالسيه وكنت منهم .. أقام المؤذن الصلاة وبدأ الفقيه إن صح التعبير بترتيل
القرآن ..وأنا أحس برغبة كبيرة في الضحك في البكاء.. لفت رأسه يمينا ثم شماﻻ مسلّما..
وأنا أتساءل هل صلاتنا جائزة.
........................................................................................
بعد
صلاة العصر بقليل..خرج سي عبد القادر من الباب الخلفي للمسجد عبر دهليز ..كان
مخصصا للكتاب.. وضع خرقة بيضاء على رأسه الأصلع الذي يتصبب جهالة دينية .. متسللا
بين أزقة الدوار الضيقة كأنه يرسم قنا على شبكة درس في الرياضيات .. خرج أخيرا إلى
الوادي ليكمل طريقه إلى حقول النخيل المتناثرة هنا وهناك .. غسل يديه الغليظتين في
الساقية كأنه يتبرك بمائها العذب ..واصل خطواته الكسلى يحيي ثارة برأسه وثارة أخرى
بيده التي مازالت تقطر ماء.. يتجنب أولئك الذين لا يريدونه إماما..تسلق سفح التل
الذي يشبه رأسه ﻻ شجر فيه وﻻ نبات سوى صخور سوداء وخضراء وطيات بأشكال مختلفة لا
يصلح إلا لدراسة جيولوجية من قبل علماء مبتدئين فاشلين .. تنهد تنهيدة عميقة ..
شهق ثم زفر كأنه أطلق قنبلة الأر بي جي المضادة للمدرعات.. فجأة ظهر مبارك الرجل
النحيف الطويل القامة .. لا يفقه شيئا... معروف بخجله من تاء التأنيث.. ابتسم
للفقيه وأخرج له كيس به موسى وقطعة صغيرة من الصابون ..وضعه في حجر الفقيه ونزل
مسرعا إلى الساقية .. بلل شعره وعاد إليه.. حلق شعره.. وتوجها معا إلى المسجد..
وأنا فضلت الصلاة بجانب الوادي متجنبا تلك الرغبة الجامحة في الضحك والبكاء.

حكي جميل
ردحذفشكرا اخي يوسف
حذف