في البداية وجدتُ صعوبة في إبتلاع الورق، لكن مع مرور الزمن يمكنني أن أبتلع كتاباً كاملاً دفعةً واحدة بسهولة ، بالحقيقة لستُ مضطراً لفعل ذلك ، لكن الخيبة التي تطاردني في أكثر الأحيان في كتابة القصص تجبرني على فعل ذلك ، في البداية أشعر بالغضب لعدم تمكني من صياغة النص بشكل صحيح واحياناً أشعر ببلاهة المقدمة كعجوز رث الثياب يجلس على هامش الورقة، يخاطبني بحكمة ورزانة: أعد أعد يابني ما كتبته ليس له قيمة.
أنفر بغضب شديد وأقوم بتمزيق الورقة وأضعها بفمي ، حتى أشعر بالراحة في إبتلاعها.
منذُ شهر تقريباً إلى يومنا هذا إبتلعت ما يقارب دفترين كاملين من الورق التالف ،
ومنذُ شهر لم اتمكن من كتابة قصةً واحدة تترابط مقدمتها بخاتمتها كما هو المطلوب ، احياناً أعطي نفسي ساعة إسترخاء ، اقوم بها بترتيب الغرفة وتوضيب مستلزماتي متعمداً تجاهل الورق وإحباطي المتكرر في كل مرة ، ومن ثم أرجع وأنحني تحت ركاكتي التي لا تفارقني أبداً ،
بالأمس قمت بتكسير عدة أقلام بالإضافة لمضغ وجبة كاملة تتألف من سبعة وعشرون ورقة ، حينها كنت أخوض معركةً شرسة مع نفسي ، حتى انتهى الأمر بعد منتصف الليل ليأس تجاوز حد المعقول ، فمزقت آخر قطعة ورق من الدفتر ووضعتها بفمي كالعادة واشعلت سيجارة وبدأت أطرد دخانها من فمي كما يطرد صاحب البسطة الذباب القذر من فوق بضاعته ،
حينها ألقيت بقدمي على الطاولة وجلست أخاطب نفسي كرجل سكير أسرف في شربه ، إلى متى أيها المعتوه، أين أفكارك أين شياطينك.. تحرك، لعنة الله على رأسك الفارغ.
بينما كنت غارقاً في مستنقع من الهلوسات الرثة شعرت بتقلبات في معدتي أجبرت جسدي على التقوس دون إستئذان، وبدون قصد استطردت قائلاً: أهذا عقاب يا ربي .. أهذا عقاب ..؟
فجأة زادت حدة الألم وكأن حيوانا مفترسا يلتهم أحشائي بأنيابه كما ألتهم الورق، على أثر ذلك بدأ جسدي ينحني كعجوز سبعيني ، مشيت ببطء باتجاه المغسلة متشبثاً ببطني كقطعة ثلج تكاد أن تتقلص ، أتكئ على كل شيء يصادف طريقي . حتى تمكنت من الوصول إلى المغسلة ، أسدلت رأسي فوقها آملاً أن أتقيء وجعي ، وضعت سبابتي في فمي كما يفعل العجائز ، وحركتها داخل فمي ببطء ليزيد من شدة الإضطراب ، فجأة خرج من فمي ما لا يقل عن ألف ورقة .
وعلى أثرها زفرت من فمي تنهيدةً غطت بخارها ملامح وجهي المعلق على المرآة . ومن ثم سقطت مغمياً عليّ ،
وبعد عشر دقائق شعرت بيد تهز كتفي بقوة و إذ بذلك العجوز جالساً بوضعية القرفصاء فوق رأسي وهذه المرة لم يحثني على شيء ، كان صامتا وجلسته أبلغ من الكلام ، مد يده التي تحمل بضعة أوراق مكتوب عليه ما قرأتموه يا سادة ، !
بقلم الكاتب: بلال كنج، سوريا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق