تحسست
كتفي الأيسر بأصابعي ورحت أرنو أثر الجرح حيث ترك بقعة صغيرة عليه.. هاجمتني صورة
وجهه المتجعد وشكله الذي كان يزرع في نفسي الخوف فيذهب معه كل تركيزي.. وجدت نفسي
عائدة إلى ذكريات بعيدة موغلة في الماضي، حيث كنت أجلس بجانب ولد لا أطيق مشاركته المقعد
يبسط ذراعيه على الطاولة، فلا يستكين لراحة يستحوذ على المكان وعلى بعض من أقلامي
بكل عنت وتسلط..ولقد كانت تحدثني نفسي بالنيل منه، أقرص خده أو أذنه كي أستعيد
نفوذي، فلم أستطع مخافة أن ينال مني وقت الاستراحة، كرهته وكرهت معلمي الذي ينفث
الدخان في الفصل، يدور بين الصفوف فيُسمع ضرب حذائه على الأرض ضربا ثقيلا، كنت
أفزع عند رؤيته فأعانق كرّاستي والطاولة متظاهرة بحسن الإصغاء والانتباه..وبينما
أتحدث إلى نفسي ازداد خفقان قلبي وتبعثرت نظراتي وجفت شفتاي عن إسعافي بما تبقى من
لعاب ترك في حلقي غصّة كادت تخنق أنفاسي، تراءى لي ظله الضخم يقترب مني، فجأة اسقط
فتات سيجارته المشتعلة على كتفي الأيسر، لسعتني لسعة قفزتُ لها فسرى سمها في
أعضائي وتزاحمت الدموع في عيني نحو السقوط,وأظلم بصري بما خالطه من عبرات..
حملت
خيوط فستاني المتدلي على كتفي وأعدتها مكانها كأني لا أضمرُ بين جبيني حزنا ولا
ألما، مشت في جسمي رعشة الخوف وانقبض صدري وخارت قواي فتغلغل في أعماقي كره وبغض
كبيرين. ذلك الرجل الذي قسى علي فنفذت قسوته
إلى قلبي وقضت على تمثاله الشاخص أمامي، لم أمسك عن عتابه في نفسي . ألم
يكن باستطاعته حمل خيوط فستاني وترتيبها وإعادتها كما كانت على كتفي..ما الذي دفعه
ليحرق جلدي بابتسامة ماكرة رسمها مصطنعا النكتة في فعلته..
وأنا
ألج المدرسة من جديد رفقة أصدقائي الصغار، باغتني طيفه الذي تضاءل حجمه في مخيلتي الآن، مررت بصري صوب الساحة المكتظة بالأطفال
وهم يحيون العلم الأحمر، اختلطت الوجوه الجديدة بالقديمة ولم أعد أكترث بوجوده كما
في الماضي، غادر منذ زمن باب المدرسة..انتهت صلاحيته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق